الرئيسية / الفعاليات العلمية / ندوات / فرع القانون الخاص يقيم ندوة علمية الإرادة في العقود بين الشريعة والقانون العقد الطبي والاذعان أنموذجاً

فرع القانون الخاص يقيم ندوة علمية الإرادة في العقود بين الشريعة والقانون العقد الطبي والاذعان أنموذجاً

برعاية السيد العميد الاستاذ الدكتور سعيد علي غافل اقام فرع القانون الخاص  في يوم الثلاثاء  المصادف 13/12/2022 ندوة علمية الموسومة الإرادة في العقود بين الشريعة والقانون العقد الطبي والاذعان أنموذجاً حاضر فيها الاستاذ الدكتور جواد احمد البهادلي و ذكر الباحث  للأشياء طبيعتها التي تتسم بها، وحقائقها التي تقوم عليها؛ كي تكتمل جوانبها، وتتضح خصائصها، وتستبان معالمها؛ فيتحدد إطارها العام، وشكلها الذي يكوّن مظهرها؛ ليعكس جوهرها أيضاً. ومادامت الإرادة والعقد الطبي – كمصطلحين – لهما حقيقتهما التي يقفا عليها؛ فإن ذلك يتطلب تسليط الضوء على مسائل: المسألة الأولى:  حقيقة الإرادة. وذلك من خلال تعريفها، وتميزها عن غيرها من المصطلحات الأخرى، ومن ثم تحديد المراحل التي تمر بها قبل الإعلان عنها.
المسألة الثانية:  تعريف العقد الطبي وتمييزه عن غيره؛ كعقد العمل، وعقد المقاولة، وعقد الاستشفاء؛ وصولاً إلى خصائصه التي يختص بها عن غيره من العقود الأخرى. والمسألة الثالثة: عقود الاذعان مفهومها واعتبار عقديتها.
التعريف بالإرادة في العقد الطبي :للإرادة دور كبير ومهم في جميع أنواع العقود[1] سواءً أكانت مسماة أم غير مسماة، وتبدو أهميتها أكثر في العقد الطبي؛ لأنه  من العقود التي ترد على جسم الإنسان الذي يتمتع بحصانة ومعصومية، إذ ليس بإمكان الطبيب المساس بجسم مريضه إلا بعد الحصول على رضاه أو رضا مَنْ يمثله، أي بمعنى أنه لا يستطيع القيام بأي عمل طبي كان إلا بعد حصوله على الإذن؛ إحتراماً لإرادة مرضاه باستثناء حالات قليلة سنأتي على ذكرها لاحقاً.
تعريف الإرادة
الإرادة في اللغة و الاستعمال  القرآني:
إن الأصل اللغوي لكلمة الإرادة هو الجذر الثلاثي رَوَدَ بمعنى الطلب والإرادة المشيئة[2]. ويقال راوده على كذا مُراوَدةً ورواداً بالكسر بمعنى أراده كما يقال رادَ الكلأ أي بمعنى طلبهُ([3]). كما تعني الإرادة أيضاً: القصد إلى الشيء والإتجاه إليه([4]).
وتأتي الإرادة بمعنى الإحساس الذاتي بقدرة الإنسان على تنفيذ ما يصمم أو يخطط له، دون تردد أو تراجع، وضمن ما تسمح به الإمكانيات والقدرات والقوانين، بينما الرَّوْدُ يعني التَّردُّدُ في طلب الشيء برفقٍ. كما تأتي بمعنى الميل بلفظ المِرْود، ويقال إن فلاناً يمشي على رودٍ أي على مهل وتصغيره رويَدٌ.   والمصدر هي الإرادة، والإرادة منقولة من رادَ يَرُودُ إذا سعى في طلب الشيء وهي في الأصل قوة مركبة من شهوة، وحاجة، وأمل. وهي اسمٌ بمعنى النزوع عن إحساس أو تخيل، أي حرية الاختيار. ويُرجع بعض اللغويين كل وجود إلى الإرادة؛ فيعد مرد السلوك والأخلاق إلى الإرادة الإنسانية. وهذا ما يسمى إرادة القوة.
التمييز بين الإرادة وما يشبهها من مصطلحات لغوية: تجدر الإشارة إلى التمييز بين الإرادة وغيرها من المصطلحات الأخرى من حيث اللغة([5]) بالآتي:
1-الرضا والإرادة: الرضا هو الرغبة في الفعل والارتياح إليه، وإرادة الطاعة تكون قبلها، والرضا يكون بعدها أو معها؛ فالرضا لا يطابق الإرادة؛ لأن الرضا نقيض السخط؛ والسخط من الله تعالى إرادة العقاب فينبغي أن يكون الرضا منه إرادة الثواب أو الحكم به، فقد يريد المرء شيئاً مع أنه لا يرضاه؛ أي لا يحبه ولا يرتاح إليه وبهذا فإن الرضا غير مرادف للإرادة إنما هو جزء منها.
2-التمني والإرادة: التمني يأتي معنى في النفس ويقع عند فوات فعلٍ كان للمتمني في وقوعه نفع، أو في زواله ضرر مستقبلاً.
أما الإرادة فلا تتعلق إلا بالمستقبل؛ في حين أن التمني يجوز أن يتعلق بما لا يصح تعلق الإرادة به أصلاً.
3-الإرادة و الاختيار: الاختيار لغةً: تفضيل الشيء على غيره من غير إلجاء أو اضطرار، بينما الإرادة تتجه إلى أمرٍ واحد محدد، فالإرادة هي نزوع النفس وميلها إلى الفعل.
أما الاختيار: فهو ميل مع تفضيل، والإرادة أعم من الاختيار، فكل اختيار إرادة؛ ولكن ليس كل إرادة اختياراً.
4-الإرادة عن المشيئة: إذ إن الإرادة تكون لما يتراخى وقته، ولما لا يتراخى، والمشيئة تكون لما لم يتراخ وقته.
والدليل على ذلك عندما يقال فعلت كذا شاء زيدٌ أو أبى؛ على اعتبار أن المشيئة مرادفة للعناية الإلهية، وبهذا هي أوسع من الإرادة.
5-الإرادة و القصد: فقصد القاصد مختص بفعله دون فعل غيره، في حين أن الإرادة مختصة بأحد الفعلين دون الآخر.
الإرادة اصطلاحاً
أما عن تعريف الإرادة اصطلاحاً، فإن التشريعات لم تحدد مضمونها([6])، إلا أن الفقه عرفها بتعريفات عدة نقتصر على بيان أبرزها:
1-ماذكره الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري بقوله أنها: “عمل نفسي ينعقد به العزم على شيء معين”.
2-ماذكره جانب من الفقه بتعريف مطابق تقريباً للتعريف الذي أورده الأستاذ المرحوم الدكتور السنهوري وذلك بأنها:  “أمر نفسي ينعقد به العزم على أمر معين” فيؤخذ على هذا التعريف المآخذ نفسها التي وردت آنفاً.
3-ماعرفها جانب آخر من الفقه بأنها:  “محور التراضي وإتجاه نفسي لا يحس بوجوده إلاّ عند وجود ما يدل عليه”.
ويلاحظ عليه:
أ-إنه جاء بصيغة مقتضبة للغاية، إذ لم يبين لنا المراحل التي يمكن أن تمر بها الإرادة.
ب-كما أنه لا يفي بما نريد الوصول إليه.
4-ماذهب إليه جانب آخر من الفقه بقوله إنها:  “مجرد اعتزام الفعل والإتجاه إليه”.
وهذا التعريف جدير بالثناء: من ناحية أنه شمل الإرادة الباطنة بعبارة (اعتزام الفعل) زيادة على الإرادة الظاهرة بعبارته (الإتجاه إليه).  إلا أنه لم يأخذ بعين الاعتبار المراحل الأربع، والتي يمكن أن تمر بها الإرادة حيث أشار إلى المرحلة الثالثة والمتمثلة بالتحرك العملي من أجل إبراز العزم والذي هو الإرادة الظاهرة، متجاوزاً المراحل الأولى للإرادة والمتمثلة بالباعث أو النية، والتروي أو التدبر.
5-ما تناوله جانب آخر من الفقه  لمعنى الإرادة من خلال تعريفه للتصرف القانوني، على اعتبار أن التصرف القانوني هو إتجاه الإرادة إلى إحداث أثر قانوني سواءً كان هذا الأثر هو إنشاء حق كالهبة، أو نقله كالحوالة، أو تعديله كالتجديد، أو إنهائه كالإبراء، فلا عبرة بالإرادة التي لم تتجه إلى إحداث أثر قانوني كما هو الحال في أعمال المجاملات. إلا أن هذا التعريف لا يمكن التعويل عليه من أجل الوصول إلى تعريف الإرادة في الاصطلاح القانوني خصوصاً وأن هناك جانباً من الفقه([7]) ينتقد هذا التعريف على اعتبار أن التصرف ليس إتجاهاً للإرادة وإنما هو ثمرة ونتيجة لهذا الإتجاه وهو ليس الأثر المباشر لإتجاه الإرادة على اعتبار أن كل ما يصدر عن الإنسان بإرادة حرة مدركة يتعلق به إدراكه أولاً، ثم إرادته ثم قدرته.  وعليه فإن تصرف الإنسان ثمرة قدرته التابعة لإرادته والتابعة لإدراكه.
وبهذا فإن التعريف الأدق للتصرف القانوني هو: ( كل ما يصدر عن الإنسان من قول أو فعل بإرادة حرة واعية ويرتب عليه القانون الأثر ).
يتضح لنا من هذا التعريف أن التصرف القانوني هو ثمرة قدرة الإنسان، وهذا لا يعني ثمرة إرادته ومن أجل أن يكون التصرف صحيحاً ويجب أن يكون صادراً عن إدراك ومن ثم إرادة ومن ثم قدرة.
إلا أننا لو توقفنا قليلاً عند هذا القول فسنجد أن الإدراك يقع قبل الإرادة، وبالتالي هو ليس مرحلة من مراحل الإرادة؛ بل هو عملية عقلية يدرك بها الشخص الموجودات من حوله.
6-ذهب جانب آخر من الفقه إلى تعريف الإرادة بأنها: “نشاط نفسي إتجه إلى تحقيق غرض عن طريق وسيلة معينة”. صحيح أن الإرادة هي نشاط نفسي داخلي يتجه إلى غرض بوسيلة معينة. إلا أن هذا التعريف لم يحدد لنا المراحل التي تمر بها الإرادة من علم وإدراك، ومن ثم تحقيق وإنجاز أي تنفيذ ما إنعقد العزم عليه.
7-ذهب جانب آخر من الفقه إلى تعريف الإرادة بأنها:  “تحرك عملي؛ لتحقيق وانجاز ما إنعقد العزم عليه من شوق مسبوق بعلم وإدراك”.   ولقد أصاب هذا التعريف بتحديده للمراحل التي تمر بها الإرادة.
ولكن يؤخذ عليه وحسب وجهة نظرنا المتواضعة: بأنه قد حصر الإرادة بالتحرك العملي؛ بمعنى أن يكون هناك موقفاً ايجابياً قولاً كان أو فعلاً، ولم يأخذ بنظر الاعتبار حالة السكوت الملابس.
8-وقد عرفها جانب فقهي آخر بأنها:
“توجه كامن في النفس، يرمي إلى تحقيق أمر وتجسيده بمظهر خارجي، بحيث يترتب عليه إنتاج أثر معتد به قانوناً”.
9-مايقترحه البحث ويميل إليه هو أن الإرادة: عمل نفسي يمر عبر مراحل مبدؤها دواخل النفس، مقرونة بالعلم والإدراك والاختيار، ومنتهاها المظهر الخارجي المجسد بفعل، أو تصرف، أو سكوت مُلابس.
والإرادة قد تكون مختارة راضية، وقد تكون مختارة غير راضية كما تكون إرادة راضية غير مختارة[8].
مراحل الإرادة
بعد أن حددنا مفهوم الإرادة في اللغة، والاستعمال القرآني، والاصطلاح وميزناها عن غيرها من المصطلحات اللغوية الأخرى؛ نتطرق في هذا المطلب إلى المراحل التي تمر بها الإرادة، إذ تمر الإرادة قبل الإعلان والكشف عنها بمراحل عديدة: وأولى هذه المراحل هي:
1- مرحلة الشعور بالغرض أو الباعث أو الداعي أو النية
2-  مرحلة التروي أو التدبر: حيث يزن الشخص الأمر ويتدبره، وهذه المرحلة تعتمد على التفكير والعقل في تمحيص البواعث المتعددة التي تبدو أمام الإنسان، فقد تتعارض الميول وعند تعارضها يقتضي الأمر بوجوب التفكير والتروي، وتحكم العقل ضمن هذه المرحلة.
3- المرحلة الأساسية هي مرحلة العزم أو المشيئة: ويتحقق العزم بالاستقرار على رأي معين مع عقد النية على تنفيذه والتصميم عليه دون تراجع، وهذا العزم لابد أن يكون حاسماً وصادقاً؛ أي أن لايكون فيه تردداً، أو مجالاً لميل آخر   فهذه المراحل الثلاث (الباعث، التروي، العزم أو المشئية) تدخل تحت نطاق الإرادة الباطنة؛ لأن الإرادة الباطنة تمر بهذه المراحل قبل التعبير عنها، وبانتهاء هذه المراحل تنتقل الإرادة إلى العالم الخارجي، وهذا ما نطلق عليه بالإرادة الظاهرة التي تتخذ صوراً وطرقاً عديدة للتعبير عنها، كاللفظ والكتابة، والإشارة، والتعاطي.
ماهية العقد الطبي : الكثير من الفقهاء قد خلط بين العقد الطبي وغيره من العقود، فهناك من يرى أن العقد الطبي هو عقد عمل، أو إجارة خدمات وذهب آخرون إلى أنه عقد مقاولة. وربما اعتبروه استشفاء فصحيح أن العقد الطبي قد يلتبس في بعض جوانبه مع هذه العقود إلا أن هذا لايعني التطابق بينهما. تكمن خصوصية العقد الطبي عن غيره من العقود بأن محله هو جسم الإنسان، وما له من حرمة ومعصومية، فلا يجوز المساس به إلا لضرورة العلاج، أو الحاجة إليه؛ لأن الحق في الحياة، والحق في السلامة الجسدية هي من الحقوق التي يجتمع فيها حق الله تعالى، وحق العبد زيادة على هذا، فإن العلاقة التي تنشأ بين الطبيب والمريض هي علاقة غير متكافئة؛ فالطبيب مهني على درجة عالية من المعرفة، والتخصص الفني.  والمريض شخص يجهل ما يتعلق بالمرض، أو بفن العلاج.
1-عرف جانب من الفقه العمل الطبي بـ: “العمل وفق العلم المختص بأحوال بدن الإنسان ونفسه؛ لحفظ حاصل الصحة، واسترداد زائلها”.
2-وقال جانب آخر من الفقهاء هو: “كل نشاط يرد على جسم الإنسان، أو نفسه، ويتفق في طبيعته، وكيفيته، مع الأصول العلمية، والقواعد المتعارف عليها نظرياً وعلمياً في علم الطب، ويقوم به طبيب مصرح له قانوناً به يقصد الكشف عن المرض، وتشخيصه وعلاجه؛ لتحقيق الشفاء، أو تخفيف آلام المرض والحد منها، أو منع المرض، أو بهدف المحافظة على صحة الأفراد، أو تحقيق مصلحة اجتماعية؛ شريطة توافر رضا من يجري عليه هذا العمل”.
وبالرغم من وجاهة التعاريف السابقة وتقديرنا لها، إلا أنها تبقى محل نظر وللكلام مداخلات ومناقشات تم تناولها في كتابنا الموسع
نكتفي بهذا القدر والحمد لله رب العالمين
[1] -العقود جمع عقد. وللعلماء في معناه كلام واضح، وفي سعته وضيقه وشروطه نفياً وإثباتاً مباحث طويلة. أتحدث بخصوص مايعنينا بالآتي:
أ -عرّف الفقه الغربي العقد بأنّه: اتفاق إرادتين على إنشاء حق، أو على نقله، أو على إنهائه. كما أشار الدكتور مصطفى الزرقا في كتابه الفقه في نسيجه الجديد: الفقرة 132. نقلا عن السنهوري.
يقول الشيخ حسن الجواهري وهو من فقهاء الإمامية:  بناءً على هذا التعريف تكون عقود الإذعان عقوداً تفيد الالتزام بالتمليك للسلع، أو للخدمات ( المنافع ) ; لأنّ تعريف العقد عندهم عبارة عن إنشاء الالتزام بنقل الحق، أو إيجاده، وليس بنفسه إنشاء للنقل أو للحق، فالبيع مثلاً في الفقه الغربي ليس إنشاء للتمليك والتملك، أو النقل والتبادل، وإنّما هو إنشاء للالتزام بفعل ذلك -كما عن السيد كاظم الحائري: فقه العقود: 1 / 176، وعلى هذا تكون عقود الإذعان عندهم عقوداً حقيقية.
ب -عرّف الأُستاذ الزرقاء العقد ناسباً ذلك إلى مصطلح الفقه الاسلامي  ( الحنفي في مجلة الأحكام الشرعية ) بأنّ العقد هو: إرتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله. كما في ج1/ الفقرة 132.
ويقرب من هذا التعريف ما نقله الدكتور عبد الرزاق السنهوري -مصادر الحق في الفقه الاسلامي: 1 /40 -عن صاحب  « مرشد الحيران » من أنّ العقد عبارة عن إرتباط الإيجاب الصادر من أحد العاقدين بقبول الآخر على وجه يظهر أثره في المعقود عليه.
ج -عرّف العقد في الفقه الشيعي الإمامي بتعبير المحقق الأصفهاني  بأنّه: قرار مرتبط بقرار آخر.
وإذا رجعنا إلى معنى العقد لغة – كما ذكر فخر الدين الطريحي في مجمع البحرين: 3 /103 ورجعنا لمعناه عرفاً: وهو العهد المؤكد، وما يكون فيه إلزام والتزام، فالنتيجة هو المعاهدة الحاصلة من الإلزام والالتزام، الذي لا بد له من طرفين. وهو معاملة تحتاج إلى قبول كما هو بحاجة إلى الإيجاب؛ تحقيقاً للمعنى اللغوي من الرابط بينهما، كالزواج، والبيع مثلاً.                                                 
وقال الشيخ الأنصاري في المكاسب عند كلامه عن ألفاظ عقد البيع:   « يعتبر اللفظ في جميع العقود على المشهور شهرة عظيمة ». أنظر: محمد جواد مغنية:  فقه الامام الصادق: 3/11.
وبناء عليه: فهل العقد الطبي الآن له صيغة لفظية خاصة، أو أن هناك تسامحاً في إطلاق العقد عليه، وهو عقد عرفي معاطاتي.
هذه قضية في بالغ الأهمية وفي ضوء ثبوتها ينسحب الكلام لكل البحث على أنه من جهة لامن كل الجهات: أي على فرض كونه مبنياً على صيغة لفظية خاصة به.
[2]للإرادة في اللغة عدّة معانٍ, فقد جاء في كتاب العين: الإرادةُ: الطلبُ والنظرُ والاختيارُ. فأصلها من الرّود مصدر فعل الرائد, الذي يرود الكلأ والمنزل ويرتاده، بمعنى يطلبه. أنظر: كتاب العين, الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ) تحقيق: عبدالحميد الهنداوي, ط1, دار الكتب العلمية بيروت ـــ لبنان, 1424هـ / 2003م: 2/161.
وقال الجوهري: الإرادة: المشيئة: وأصلها الواو، لقولك راوده، إلا أن الواو سُكنَت فنُقلت حركتها إلى ما قبلها، فانقلبت في الماضي ألفاً، وفى المستقبل ياء، وسقطت في المصدر، لمجاورتها الألف الساكنة، وعوض عنها الهاء في آخره. وراودته على كذا مراودة، وروادا، أي أردته. الصحاح:2: 478.
والإرادة هي المشيئة -وسيأتي معناها قريباً -.
([6]) تجدر الإشارة إلى أن المشرع العراقي ذكر مصطلح الإرادة مرتين فقط، الأولى: عندما نص على عيوب الإرادة في المواد (112-125).
 والثانية: عندما نص في المادة (184) على إعتبار الإرادة المنفردة مصدراً استثنائياً للالتزام الإرادي وتأتي بعد العقد.
 [8]-استكمالاً للموضوع وبغية الإحاطة على دقائقه بين مختلف الإتجاهات نستعرض الآتي:
حقيقة الإرادة عند المتكلمين:
المتكلّمون: نسبة إلى علم الكلام، والذي يبحث فيه عن أُصول الدين بالأدلة المفيدة لليقين.
نظرية المعتزلة في الإرادة:
ذهب كثيرٌ من المعتزلة إلى أنّ الإرادة هي: اعتقادُ النفع أو ظنّه. أو هي ميلٌ يعقبُ اعتقاد النفع أو ظنّه؛ لأنّ القادرَ كثيراً ما يعتقدُ النفعَ أو يظنُّه, ولا يريده ما لم يحدث هذا الميل.
فالمعتزلة يرون أنّ نسبةَ القدرة على الفعل متساويةٌ, فإذا حصلَ في القلب اعتقادُ النفعِ في أحد طرفيه أو ظنّه؛ يؤدّي ذلك إلى ترجيح ذلك الطرف على الآخر غير المظنون نفعه.
فالإرادة عندهم: صفة بها يرجِّح الفاعلُ أحدَ مقدوريه، من الفعل أو الترك.
.شرطُ الإرادة عند المعتزلة:
  استدلّ المعتزلةُ على اشتراط الإرادة في الأمر، بأنّ صيغةَ الأمر ترِدُ أحياناً للتهديد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَيرٌ﴾ فصلت: 40.
 وترِدُ والمراد بها التكوين، كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ البقرة: 65. وتردُ والمراد بها: التعجيزُ, كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) البقرة: 23، وإنّما ينفصلُ الأمرُ بها عمّا ليس بأمرِ بالإرادة, فدلّ على أنّ الإرادة شرطٌ في اعتبار الصيغةِ أمراً.
وحالُ مذهبِ المعتزلةِ الذين اشترطوا الإرادة في الأمر, هو أنّ صيغةَ الأمر تردُ في معانٍ مختلفةٍ, إذْ وردت في القرآن الكريم دالّةً على الأمر مرّةً، وعلى التهديدِ، والتعجيزِ، والتكوينِ، وأغراضٍ مختلفةٍ في مواضعَ مختلفةٍ من القرآن الكريم؛ ولذا كان يجبُ إخراجُ هذه الصيغة من الأغراضِ البلاغيّةِ الأُخرى إلى الأمر الحقيقيّ، عبر شرطِ الإرادةِ, والمقصود بها أن يكونَ الآمرُ مريداً للأمر حين تلفّظه به.
الإرادة عند الاشاعرة: الأشاعرة: هم أتباع أبي الحسن الأشعري (ت 324هـ), الذي ينتهي نسبه إلى أبي موسى الأشعري, كان الأشعريّ معتزليّ العقيدة, ولكنّه خالفهم في قولهم بخلق القرآن الكريم فاعتزلهم، وكوّن لنفسه مدرسةً كلاميةً وجدت لها أنصاراً في كلّ مكان, والأشاعرة لا يقولون بالعدل الإلهي, ولا بالحسن والقبح العقليين, وهم يقولون: إنّ صفاتِ الله المعنويّة زائدةٌ عن الذات.
وقد أثارت مسألةُ الإرادة جدلاً واسعاً بين الأُصوليين والمتكلّمين؛ والسببُ في هذا يعودُ إلى: هل اشتراطُ الإرادة سببٌ في إيقاعِ الأمرِ, أم أنّ مجرّدَ الطلب يُعدُّ أمراً، دون إرادة إيقاعِهِ من الآمر؟.
وهذه المسألةُ أدّت إلى انقسامِ الأُصوليّين إلى قسمين: قسمٌ يرى أنّ الآمرَ لابدَّ له من إرادة الأمرِ, وإلّا لا يُعدُّ أمراً, بينما يعدُّ القسم الآخر منهم أنّ الطلبَ وحدَه يكون أمراً, سواء أكان الآمرُ يقصد إيقاع الأمر أم لا, وكلُّ فريقٍ منهم طرحَ أدلَّتَهُ؛ لإثباتِ صحة دعواه.
وجوهرُ الخلاف في هذه المسألة، هو ما ذكره بعض المحقّقين من أنّ صيغة (إفْعَلْ) وردت في عُرْفِ اللّغة: للتهديد، والدّعاء, والالتماس, والأمر.
وقد وردت في النص الدّينيّ دالّةً على: التهديد، والدعاء، والالتماس، والأمر، وغيرها من الأغراض البلاغيّة, بحسب السياقات ومواضع ورودها، فكان السؤالُ عند المحصلين: ما الذي يصرف هذه الصيغة؛ لتدلّ على الأمر، ويصرفها عن باقي الأغراض؟.
الإرادة عند الاماميّة:
الإرادة عند الشيخ المفيد: عرّف الشيخ المفيد (ت413هـ) الإرادة بأنّها: «قصدٌ لإيجادِ أحدِ الضدّين الخاطرين ببال المريد موجبةٌ لمرادِها».
 أو هي الموجبةُ لوجودِ الفعل في وقتٍ دونَ غيرِهِ، بسبب اشتماله على مصلحةٍ في ذلك الوقت.
وقد خالف السيدُ المرتضى مشهورَ الإماميّة في وصف الإرادة بأنّها موجودةٌ لا في محلّ, وهو بهذا يوافقُ رأيَ المعتزلةِ البصريّين الّذين قالوا: إنّ إرادتَهُ حادثةٌ لا في محلّ؛
الإرادة عند الفلاسفةتناول الأُصوليون مبحثاً مهمّاً في الفلسفة الإلهيّة والحكمة المتعالية، وهو مبحثُ الإرادة وعلاقتها في الأمر والطلب, إذْ أنّ بحثَ الإرادة يرتبطُ إرتباطاً وثيقاً بالطلب، الذي هو من مدلولات مادّة الأمر, كما تناول الأُصوليون مبحثَ الجبر من الناحية الفلسفيّة، الذي يرتبطُ بأفعال الإنسان وإرادته, فبحثُ الإرادة له إرتباط وثيقٌ بجملةٍ من العلوم، ومنها علم أصول الفقه والفلسفة.
الإرادة عند الأصوليينبُحِثَتِ الإرادة في علم أصول الفقه في مواطنَ متعدّدةٍ, إذْ تمَّ تقسيمُ الإرادة في كلٍّ منها إلى تقسيماتٍ ترتبط بذلك الموطن، ومن أهمّ تلك المواطن، ما يأتي:
أولاً:  عند البحث عن دلالةِ الألفاظِ على معانيها وظواهرِ الخطاباتِ الشرعيّة, وقعَ البحثُ على أقسام الإرادة بمعنى قصدِ المعنى من اللّفظ، وبهذا اللّحاظِ قُسّمتِ الإرادة إلى:
1-إرادة استعماليّة: وهي إرادة المتكلّم استعمال اللّفظ في المعنى.
2-الإرادة الجدّية: وهي إرادة المعنى المستعمل في اللفظ.
ثانياً: وفي مورد البحث عن شرائط التكليف والطلب، كان البحثُ  عن أثر الإرادة بمعنى الاختيار على الفعل والترك في صحة تكليف العباد، وأهمّية الاختيار في الأحكام العلميّة,(التحسين والتقبيح العقليين)، والحديث عن حقيقة الإرادة بمعنى الاختيار، وهو بحث الجبر والاختيار في علم الكلام.
ثالثاً: وفي مورد البحث عن الأمر والنهي من حيث المادّة والصيغة ودلالتها على الطلب، كان البحثُ عن النسبة بين الإرادة والطلب، وقُسّمت الإرادة بمعنى الطلب إلى تشريعيّةٍ وتكوينيّةٍ.
رابعاً: وفي مورد البحث عن مقدّمة الواجب، من حيث وجوبها وعدمها, كان البحثُ عن الملازمة بين إرادة الشيء وإرادة مقدّمته, إذْ قُسّمت الإرادة هناك بمعنى المشيئة أو الشوق المؤكّد المستتبع لتحريك العضلات, والإرادة الغيريّة والتبعيّة وبيان أحكام كلٍّ منها.
خامساً: وفي مورد إطلاق الأمر بلحاظ متعلّقه الذي يقتضي التوصليّة, كان البحثُ عن إمكان الاشتراط في الإرادة أو عدم إمكانه, وقُسّمت الإرادة إلى المطلقة والمشروطة, والمعنى المعقول للإرادة المشروطة, إلى غير ذلك من المباحث الأصوليّة المتعلّقة بالإرادة، والتي تمّ تفصيلها في علم الأصول.

شاهد أيضاً

فرع القانون الخاص يقيم ندوة علمية التعويض العادل عن الخطأ المربح

برعاية السيد العميد الاستاذ الدكتور سعيد علي غافل اقام فرع القانون الخاص  في يوم الثلاثاء  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.