الرئيسية / الفعاليات العلمية / مجلات / الأساس القانوني لتعليق عمل المجالس المحلية في العراق.

الأساس القانوني لتعليق عمل المجالس المحلية في العراق.

قام مجلس النواب وتحت ضغط الاحتجاجات التي انطلقت في تشرين الأول سنة 2019 بتعديل قانون انتخاب مجالس المحافظات والأقضية رقم 12 لسنة 2018 وذلك بقانون التعديل الثاني رقم 27 لسنة 2019، وقد نصت المادة الأولى من هذا القانون على (إنهاء عمل مجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم ومجالس الأقضية والنواحي التابعة لها). وجاء في الأسباب الموجبة لقانون التعديل بانه (نظراً لانتهاء المدة القانونية المقررة لمجالس المحافظات الحالية ومجالس الأقضية والنواحي والمجالس البلدية غير المنتظمة في إقليم في إداء مهامها والمسؤوليات المناطة بها بهدف تنظيم عمل الإدارات المحلية للمحافظات غير المنتظمة في إقليم، شرع هذا القانون). وكان قانون التعديل الأول لقانون انتخاب مجالس المحافظات والذي صدر في 2/9/2019 قد نصت المادة (13- ثالثا) منه على انه ( تنتهي أعمال مجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم والأقضية والنواحي الحالية في 1/3/2020)، إلا أن ضغط المظاهرات عجلت في ذلك، وكان المفروض أن يتم إجراء انتخابات قبل موعد 1/3/2020 من اجل تطبيق نص التعديل الأول لقانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية والنواحي، إلا أن العجلة أدت الى إنهاء عمل مجالس المحافظات في نهاية سنة 2019، الأمر الذي ترك فراغا دستوريا وتشريعيا، إذ أن تطبيق نظام اللامركزية الإدارية ووجود مجالس المحافظات المنتخبة قد نص عليها الدستور في المادة 122 وكذلك نظم عمل المحافظات قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لسنة 2008 النافذ.
وبناء على طلب الاستشارة المقدم من مجلس النواب الى مجلس الدولة حول الوضع القانوني للمحافظ ونائبيه ورؤساء الهيئات المحلية بعد إنهاء عمل مجالس المحافظات والأقضية والنواحي، فقد صدرت فتوى من مجلس الدولة في 4/2/2020، وحاول مجلس الدولة في هذه الفتوى تلمس مخرج قانوني لكيفية إقالة رؤساء الوحدات الإدارية وتعيين بدلاء عنهم وكيفية استقالتهم. واستند المجلس في فتواه على تفسيرات لنصوص قانونية ودستورية يمكن تكييفها للوصول الى سند شرعي لما تقدم، وذلك بعد غياب المجالس المحلية التي كانت تضطلع بالتصرفات القانونية المذكورة أعلاه. وقد توصل مجلس الدولة الى أن إقالة وتعيين وإجراءات الاستقالة تنحصر بين مجلس الوزراء ومجلس النواب والمحافظ، إلا أن رئيس الوزراء لم يأخذ برأي مجلس الدولة الذي هو غير ملزم حتى للطرف الذي طلب الرأي منه، على عكس الحال مع المحكمة الاتحادية العليا. لذلك قام رئيس الوزراء بالتصدي لإقالة المحافظ وقبول استقالته وتعيينه، وهو امر لا يوجد له غطاء قانوني، سواء كان دستوري أو تشريعي. والتكييف القانوني العام لتصرفات رئيس مجلس الوزراء هو انه المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة ويقوم بإدارة مجلس الوزراء. لكن التصرفات القانونية الخاصة برؤساء الوحدات الإدارية ومنهم المحافظ فيها نصوص دستورية وتشريعية نافذه وصريحة.
إن الأمر عندما تصدى له مجلس الدولة في فتواه كان في ظل ظرف استثنائي وبطبيعة الحال فانه طبقا لمبدأ سير المرفق العام بانتظام واستمرار فانه يجب إيجاد مخرج قانوني لعمل رؤساء الوحدات الإدارية والذين هم مسؤولين عن سير المرافق العامة المحلية. ويكفي مبدأ سير المرفق العام بانتظام واستمرار غطاءً قانونياً لعمل رؤساء الوحدات الإدارية حتى ولو لم يستند ذلك لاي نص دستوري أو تشريعي. لكن حالة الظرف الاستثنائي انتهت مع إمكانية إجراء انتخابات محلية وخصوصا انه قد تم فعلا إجراء انتخابات برلمانية في العاشر من شهر تشرين الأول سنة 2021، وكان بالإمكان إجراء انتخابات محلية بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية وللعراق تجربة في ذلك عام 2005.
إن العامل الذي أدى الى السخط من المجالس المحلية ودفع الى إنهاء عمل مجالس المحافظات هو التجربة العملية المريرة لهذه المجالس، حيث تميزت هذه المجالس بالفساد وانعدام الخبرة في إدارة شؤون الوحدات المحلية، إلا أن الاستمرار بتعليق عمل المجالس المحلية ومنها مجالس المحافظات هو امر مخالف لمبادئ النظام اللامركزي الإداري والفلسفة التي يقوم عليها هذا النظام، إضافة الى مخالفة صريحة للدستور.
إن النظام اللامركزي الإداري (والكلام عن النظام اللامركزي الإداري الإقليمي)  يقوم على فلسفة إدارية وأخرى سياسية. وتتمثل الأولى في تحقيق مبدأ سير المرفق العام بانتظام واستمرار الذي يضمنه اختيار افضل الأساليب في إدارة هذه المرافق، والمعلوم أن هذا المبدأ تنضوي في ظله كل مبادئ ونظريات القانون الإداري. كما أن الفلسفة السياسية لمبدأ اللامركزية الإدارية تتمثل في تطبيق أساس من أسس الحكم الديمقراطي والمتمثل هنا في حكم مواطني الوحدات المحلية لشؤونهم بأنفسهم. إن نقيض النظام اللامركزي هو النظام المركزي الذي لا يحقق ما تقدم سواء إداريا أو سياسيا وان مضار هذا النظام تفوق فوائده.
إضافة لما تقدم فان استمرار تعليق المجالس المحلية هو خرق صريح للدستور إضافة لقانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم، والقول بان مبرر ذلك هو لوقف فساد المجالس المحلية هو ليس عمليا ولا قانونيا. إذ انه عمليا ترك المحافظين منفردين بالسلطات المحلية وتكون الرقابة عليهم فقط من قبل رئيس مجلس الوزراء هو امر يسهل الفساد ولا يوقفه لأنه سوف لن يكون هناك من يراقب المحافظ سوى رئيس مجلس الوزراء والذي سوف لن يكون متفرغا لمراقبة (15) محافظ في العراق. كما انه من الناحية القانونية فان التبرير بمخالفة نصوص الدستور والتشريع العادي سوف يسهل تجاوز هذه النصوص في أمور أخرى وبذلك سوف تكون هيبة القانون هي الضحية.
إن العيوب التي شابت عمل المجالس المحلية يمكن معالجتها في ظل الدستور النافذ الذي سوف لن نقول بتعديله حتى يتم سد الثغرات في تنظيم اللامركزية الإدارية في العراق، لان ذلك مستحيل في ظل الوضع السياسي الحالي. ولكن تكمن المعالجة في الاستفادة من التجربة الفرنسية في هذا المجال، حيث انه بعد الثورة الفرنسية تم منح صلاحيات واسعة جدا للهيئات المحلية ونتيجة لذلك أصبحت البلاد مهددة بالتقسيم بعد أن طالبت بذلك عدد من الوحدات المحلية، فتم الرجوع الى النظام المركزي ثم تم منح صلاحيات للهيئات المحلية بالتدريج حتى عام 1982، حيث تم في هذا العام منح صلاحيات واسعة للهيئات المحلية بعد أن اكتسبت هذه الهيئات الخبرات الكفيلة بإدارة شؤونها بنفسها على اكمل وجه. أي أن الأمر استغرق 200 سنة، وعليه فانه يمكن في العراق في ظل الدستور الحالي وبتفسيره بالشكل الذي يضيق من صلاحيات المجالس المحلية أن يتم منح الصلاحيات للهيئات المحلية بالتدريج ريثما تكتسب هذه الهيئات الأهلية والخبرة لإدارة شؤونها بنفسها ويمكن الاستعانة بالمحكمة الاتحادية العليا في تفسير النصوص الدستورية بما يحقق هذا النهج.
                                                                                               أ.د. فارس عبد الرحيم حاتم

شاهد أيضاً

مقالة

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أكرم الخلق أجمعين حبيب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.