الرئيسية / الفعاليات العلمية / مقالات / التشريعات العراقية ذات الصلة بالمفقودين: بين تشتت الأحكام وتعميق الأزمة الانسانية

التشريعات العراقية ذات الصلة بالمفقودين: بين تشتت الأحكام وتعميق الأزمة الانسانية

أ.د احمد عبيس الفتلاوي
استاذ القانون الدولي العام بجامعة الكوفة / كلية القانون
ahmeda.alfatlawi@uokufa.edu.iq
ما من شك في أن موضوع المفقودين بسبب النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية ، فضلا عن أعمال العنف المسلح والإرهاب، يمثل أولوية في جهود الدول التي تشهد مثل هكذا أوضاع غير إنسانية، لأجل البحث عنهم وتحديد مصيرهم وفق إطار قانوني رصين، يتصدى لأكثر المسائل إلحاحا وبالذات الجانب الشخصي للمفقود وذويه ، فضلا عن الجانب الموضوعي ونقصد بذلك الحد من هذه الظاهرة التزاما مع أحكام القانون الدولي الإنساني ذات الصلة. و على المستوى الإنساني فهنالك قلق متزايد حيال المفقودين في العراق، والذين يقدر عددهم بما يقرب من 250 ألف إلى مليون شخص فقدوا، خلال عقود من النزاعات المسلحة وانتهاكات حقوق الإنسان التي جرت في عهد النظام السابق، فضلا عن انتهاكات المجموعات المسلحة ما بعد عام  2003، والتي أدت إلى تفاقم هذه المشكلة لدرجة باتت معقدة، خصوصا في ضوء ترقب مئات الآلاف من أفراد المفقودين لمعرفة مصير أحبائهم.  أما على المستوى القانوني فقد احتل هذا الموضوع،  و ما يتصل به من أوضاع قانونية أخرى، ناجمة عن النزاعات المسلحة أو أعمال العنف المسلح، حيزا كبيراً من الاهتمام لدى المختصين في الشأن القانوني في العراق، لما يطرحه من تحديات قانونية و إنسانية كبرى، منها ما يتصل بتحديد الوضع القانوني للمفقود وذويه من جهة، ومنها ما يتصل بتحديد الوصف القانوني للمفقود ، ومنها ما يتصل بالأوضاع القانونية المترتبة على الفقدان من جهة أخرى. ولأن القانون يجسد الوسيلة التي تستخدم للوصول إلى حلول للمشاكل الإنسانية ذات الأولوية، ضمن السياسة التشريعية لأي دولة، ولأن أية مشكلة يريد المُشرّع من وضع حلول لها، تبدأ بفكرة تمر بمراحل التحليل يرافقها ذكر الأسباب المنشأة لها مع رسم تصور عام ، ومن ثم بإبداء الحلول عبر صياغة أحكام قانونية تعالجها.  ولأن التشريع يهدف عادة إلى تنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع أو بين سلطات الدولة التي يكون أفراد المجتمع النواة والمركز المستقطب لتلك العلاقات، فلا بد أن يكون الموضوع التشريعي له من القدرة على تلبية الحاجات بما يلاءم الواقع ومتغيراته.  يطرح كل من آن سيدمان (Ann Seidma) و روبرت سيدمان ( Robert B Seidman)، مقدمة منطقية في تفسير استقرار الأمم ودرجة تحضرها بالقول: ” حتى نصف دولة ما، يجب أولاً أن نصف مؤسسات تلك الدولة ( التشريعية والتنفيذية والقضائية)، ومدى تأثيرها في التغيير الاقتصادي والاجتماعي. ولكون موضوع المفقودين ومنذ الحرب العراقية – الإيرانية ومروراً بالأحداث التي شهدها العراق في عام 1991 و إلى وقتنا الراهن، شهد زيادة مطردة في عدد المفقودين ومشاكل مستمرة تؤرق الضمير الإنساني، قابلتها محاولات عدة لتدخل المشرع العراقي ، وعبر مجموعة من التشريعات، إلى وضع إطار قانوني يعالج هذه المشكلة. ولكل ما تقدم  من حقائق ، ستحاول الدراسة تسليط الضوء على عدد من المواضيع الرئيسية التي ستطرح عبر تساؤلات قانونية مبررة، يمكن اختصارها بالآتي:” إذا كانت غاية أي قانون هي في تنظيم شؤون المفقودين وذويهم، نابعة عن المسؤولية نحو وضع وصف محدد للمفقود، وصياغته في إطار قانوني مدني وآخر إجرائي، فلماذا تعددت التشريعات المنظمة لشؤون المفقودين ؟ هل كان التشتت في أحكام المفقودين وتنوعها بين تشريعات مدنية وأخرى جزائية أمراً يفرضه الواقع ؟ وهل كانت هذه التشريعات كافية لسد أي فراغ قانوني ؟ وإذا لم تكن كذلك فما السبيل للتصحيح؟ هل بجمع شتات الأحكام المتفرقة هنا وهناك في تشريع واحد؟ وأخيرا هل كانت الالتزامات الدولية بخصوص المفقودين مرعية في الإطار القانوني للتشريعات العراقية، وهل هي مواءمة معها ؟هذا ما ستحاول الدراسة الإجابة عنه في ضوء تقسيمها إلى المخطط الآتي:
 تضح إن التشريعات العراقية المدنية والجزائية المعالجة لموضوع المفقودين، كانت متعددة ومن زوايا مختلفة مما خلق نوع من التعارض في بعضها، إذ كلما كثرت التشريعات، كان متوقعا التعارض.
  1. وردت أحكام بشأن المفقودين في عدد من التشريعات العراقية، المدنية منها والجزائية، دون أن يلتفت المشرع إلى التداخل والعقبات التي تحول دون إبطاء حسم قضايا المفقودين.
  2. لم يأخذ مجلس النواب الاحتياط اللازم في أثناء تشريعه لقانون ، بوجود عدد من التشريعات المتقابلة والتي تنظم جزئيات مهمة من تشريعات لاحقة، وعلى سبيل المثال، قانون حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري رقم (17) لسنة 2010، وقانون مناهضة اخذ الرهائن رقم (26) لسنة 2012، ومدى موائمتها لأحكام قانون العقوبات العراقي أو قانون مكافحة الإرهاب، إذ من مبادئ التشريع السليم أن تكون أحكام أي تشريع جديد ثابتة ومتسقة مع الأحكام الأخرى الواردة بالقانون نفسه أو أحكام القوانين الاتحادية النافذة الأخرى.
  3. من خلال مراجعة أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 وبالذات المادة (40) منه، فيمكن القول أنه حكم قد يسمح باحتجاز أشخاص آخرين دون مبرر قانوني، ولاسيما وأنه فعل لم يجرمه القانون ، إن ثبت بحسن نية، ما يعني زيادة ظاهرة الاختفاء القسري في العراق.
  4. لم يميز المشرع العراقي في قانون تعويض المتضررين جراء العمليات الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية بين المصطلحات القانونية الواجبة الإتباع في أي تشر، فمثلا أثار في قانون رقم (20) لسنة 2009، إلى مصطلح ( تعويض) بينما أشارت التعليمات الصادرة عن وزارة المالية رقم (4) لسنة 2011، إلى مصطلح ( المنح) وهو المصطلح الأصح ، وهنا يجب على المشرع من استخدام المصطلحات القانونية المناسبة للتعبير عن المفاهيم القانونية.
  5. زادت آلية معالجة قضايا المفقودين وفقا للتعليمات والأوامر النافذة، من معاناة ذوي المفقودين، ولاسيما المالية منها، إذ طغت البيروقراطية والإجراءات الإدارية التقليدية والتي تركز على المخاطبات الورقية ، ما أسهم في تأخير حسم الموقف القانوني للمفقودين ولاسيما الموظفين منهم، ولفترات تزيد عن سنة من المخاطبات الإدارية، ما يفقد ذويه من الحقوق المالية المترتبة بناء على وظيفة المفقود أو الحقوق المترتبة له في تشريعات أخرى كقانون تعويض الضحايا النافذ.
التوصيات
  1. إعادة النظر في التشريعات ذات الصلة بالمفقودين، وذلك بتوحيد أحكامها في قانون جديد يجمع بين الأحكام المتفرقة كما في قانون رعاية القاصرين وقانون الأحوال الشخصية،فضلا عن قانون تعويض الضحايا، وباقي التشريعات ذات العلاقة.
  2. تشكيل لجنة مركزية بشأن المفقودين في المحافظات يترأسها المحافظ ، معنية بمتابعة قضايا المفقودين وكل ما يتصل بشؤون ذويهم وطلباتهم في دوائر المحافظة، ولتسهيل ذلك فلا بد من ربط تلك الدوائر بوسيلة تواصل الكترونية ، اختصارا للوقت والجهد وبعيدا عن البيروقراطية الإدارية، ويكون لمجلس المحافظة سلطة المراقبة على أعمال هذه اللجنة.
  3. توحيد البيانات الخاصة بالأشخاص المفقودين عن طريق موقع الكتروني على المستوى الوطني ، يخصص لذلك، يستقبل طلبات البحث والتقصي عن المفقودين، فضلا عن أية بيانات رسمية تزودها اللجان المركزية في المحافظات والقرارات المتخذة بصدد قضايا المفقودين وشؤون ذويهم.
  4. لكبح حالات الاختفاء القسري لابد من تعديل قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969، وبالذات إلغاء المادة (40) أو تعديلها من خلال فرض عقوبات على من أصدر قرار بالاحتجاز أو نفذ هذا الأمر خلافا للقانون، وليس رفع الصفة المجرمة عن النشاط الذي يقوم به موظف أو مكلف بخدمة عامة عند احتجازه لأشخاص، ومن ثم يبرر هذا الفعل بالاستناد إلى حسن نيتة أو تنفيذا لأمر صدر عن مرؤوسيه.
وختاما يمكن القول ، يجد القانون اساسه لا في تنظيم واقعة قانونية ما ، بل بقيمة ذلك التنظيم (الواقعة)، ونتيجة لذلك فهنالك من الصاغة من يسنون قوانين على غير هدى، لأنها ببساطة قوانين لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع.

شاهد أيضاً

الكتلة النيابية الاكثر عددا

أ.م.د حيدر محمد حسن كلية القانون كوفة     بالرجوع الى الإحكام الدستورية الواردة فـي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.