مقالة"مقتضيات إصلاح قانون التنظيم القضائي العراقي"لدكتور حيدر حسين علي الكريطي

مقتضيات إصلاح قانون التنظيم القضائي العراقي  

    من الحقائق الثابتة أن القوانين لا يمكنها تأمين الحماية المناسبة للحقوق الفردية والإجتماعية مهما بلغت أحكامها من السمو والرقي من دون وجود قضاء عادل يملك من الكفاءة والخبرة ما يؤهله لتحقيق العدالة على أتم وجه، ويجعل منه ذلك الحصن المنيع الذي تتحطّم على أسواره شتّى صور الإعتداء على الحقوق والحرّيات والملجأ الأمين لكل مستضعف ومظلوم ومعتدى عليه ومكلوم، فالقضاء هو صمّام أمان المجتمعات ومصدر إستقرارها وتقدّمها، إذ أنّه ذلك الصرح الذي يتساوى أمامه أكبر حاكم بأصغر محكوم.

ومن أجل ضمان أداء القضاء لرسالته السامية والنبيلة والشاقّة والخطيرة في الوقت ذاته، كان لابدّ من توجيه الإهتمام نحو بناء المؤسسة القضائية بناء سليماً مستنداً إلى أسس متينة وقواعد ثابتة، وتكتمل أركان هذا البناء وتتعزز قوّتها عندما تكون هناك منظومة قانونية رصينة ومحكمة تنظّم شؤون العمل القضائي تنظيماً دقيقاً ومتكاملاً يعالج الجوانب المختلفة لهذا العمل وأبعاده المتنوّعة.

وفي العراق نجد أن تنظيم شؤون السلطة القضائية مرّ بمراحل متعددة وخضع لظروف ومعطيات كثيرة متأثّراً بها تارة، ومؤثّراً فيها تارة أخرى. وقد إنعكست التحوّلات السياسية والإقتصاديـة والقانونية وغيرها التي شهدها البلد على طبيعة الأحكام القانونية الخاصّة بالقضاء العراقي، فالسلطة القضائية العراقية كانت على الدوام عرضة للتأثر بالتقلّبات السياسية وما تفرزه من معادلات وأوضاع متغايرة، حتّى أنّ إستقلال هذه السلطة الذي يعد متطلّباً لا غنى عنه كان في يومٍ ما مجرّداً من كل قيمة ومعنى، إذ كانت السلطة التنفيذية مهيمنة على مجريات الوظيفة القضائية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فمن الناحية الرسمية كانت المؤسسة القضائية جهازاً تابعاً إلى وزارة العدل قبل تغيير النظام السياسي في العراق عام 2003، وهذه التبعية للإرادة السياسية وأذرعها التنفيذية أفقدت القضاء العراقي هيبته وسموّه من جهة وجرّدته من موضوعيته وحياده من جهة أخرى وأبعدته كثيراً عن الإستقلال الواجب له والمقرر في النصوص ذات العلاقة بهذا الشأن والتي بقيت حبراً على ورق خالية من أي مضمون وغير متبوعة بأدنى تطبيق، فالهوّة كانت شاسعة بين النصوص المثالية التي تقرر إستقلالية القضاء وبين تطبيقاتها على أرض الواقع الموغلة في حضيض التعسّف والإستبداد، ومن الناحية الرسمية كان الجو الذي يعمل فيه رجال السلطة القضائية مشوّشاً ومليئاً بالخشية والإرباك والتردد.

وبعد التغيير السياسي الذي شهده العراق عام 2003 صدرت تشريعات عدّة في مجال تنظيم السلطة القضائية أعيد بموجبها تشكيل هذه السلطة وفك إرتباطها بوزارة العدل، وأصبحت سلطة قائمة بذاتها يدير شؤونها مجلس القضاء الأعلى، وعلى الرغم مما حققته هذه التشريعات من مكاسب ومحاسن لا يستهان بها، إلا أن التنظيم القانوني للسلطة القضائية ما زال مشوّباً بالقصور والنقص ومنطوياً على التناقض والتعارض وهذا السبب دفعنا إلى إختيار مقتضيات إصلاح قانون التنظيم القضائي العراقي النافذ محوراً لهذا البحث من أجل تشخيص مكامن التشريعي في هذا القانون كي يتسنّى للمشرّع العراقي الوقوف عليها ومن ثمّ معالجتها وتلافيها.

 

Joomla Templates - by Joomlage.com