مقالة"المؤسسة الإصلاحية في عهد الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام )"لدكتور حيدر حسين علي الكريطي

المؤسسة الإصلاحية في عهد الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام )

 

   في زمن تتجه فيه الأنظار من بيننا إلى الحضارات الأخرى وما يسودها من نظم حاكمة وقوانين منظمة وأعراف مرعية ، ويتسع فيه نطاق التنظير للأفكار والرؤى السائدة في المجتمعات البعيدة ، وتبرز فيه مساعي محاكاة المنظومة القانونية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة في بلدان معينة ، في زمن كهذا ينبغي التذكير بأن إصلاح النظم الحياتية المختلفة والإرتقاء بواقعها يتطلب بالدرجة الأساس الرجوع إلى النظريات المشرقة والطروحات الريادية التي أطلت بها الشريعة الإسلامية الغراء على المجتمع الإنساني ، وهو يستلزم برامج عمل مستوحاة من التجارب المضيئة لتطبيق روح ومبادئ النظام الإسلامي على مناحي الحياة المتعددة .

 ويمثل فكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أروع أنموذج للفكر الإنساني المتحضر كما يُعد عهده (عليه السلام) في تولي الحكم أرقى تجربة للأداء السياسي والقانوني وأنقى جو للواقع الاقتصادي والاجتماعي والفكري وغيره ، فقد اهتم (عليه السلام ) أيما اهتمام بحقوق الإنسان كافة الشخصية منها والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية , سواء كان هذا الإنسان مسلما أم غير مسلم سجينا أم غير سجين , هذه التطبيقات المضيئة أصبحت منهلا للمشرعين على اختلاف دولهم واختلاف درجات التشريع (دولي , دستوري , عادي) , فقد جاء الإمام علي في جانب المؤسسات الإصلاحية بمبادئ وأحكام مستوحاة من روح الدين الإسلامي الحنيف , وذلك من حيث كيفية بناء هذه المؤسسات , ومن حيث نوع المعاملة الإصلاحية المتبعة فيها , وذلك قبل إقرارها في التشريعات الوضعية , لتكون مبادئ قانونية عامة في نظم العالم القانونية الحديثة .

   وإن الأسباب التي حدت بنا لاختيار موضوع البحث يمكن أن نوجزها بالاتي :

1- ندرة – إن لم نقل انعدام – الدراسات الأكاديمية ولاسيما القانونية منها التي تتناول المؤسسات الإصلاحية في عهد الإمام علي (عليه السلام) تحديدا , على الرغم من كونه (عليه السلام) صاحب تجربة معطاءة في هذا المجال كما سنلاحظ ذلك .

2- أهمية المؤسسات الإصلاحية في العصر الراهن ، إذ تستحوذ العقوبات السالبة للحرية والتي يتم تنفيذها داخل هذه المؤسسات على القدر الأكبر من الجزاء الجنائي.

3- هناك جدالاً ونقاشاً وشكاً إزاء مدى فاعلية السجون القائمة في عالم اليوم في أداء مهمتها الإصلاحية وتحقيق غاياتها التأهيلية ، حيث تشير معطيات الواقع في الكثير من الدول إلى أن هذه المؤسسات أضحت مدارساً للجريمة لا مدارس إصلاح وتأهيل .

4- نص الدستور العراقي لعام 2005 في المادة الثانية منه على أن (الإسلام دين الدولة الرسمي وهو مصدر أساس للتشريع : ا- لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام ..) ولم يأت الدستور العراقي ببدعة في هذا المجال بل سبقته دساتير عربية أخرى في ذلك( ), وهذا يفرض علينا معرفة أحكام الإسلام وتطبيقاته المضيئة في هذا الخصوص لتدارك ما يكون في قوانيننا من نقص في الأحكام وليضحى القانون متفق مع أحكام الإسلام بوصفه مصدر أساس للتشريع , وبذلك يكون القانون دستوري .

Joomla Templates - by Joomlage.com